الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأفئدتهم فصاروا جثثا فرغا . وهذا تفظيع لحالهم ومثلة لهم لتخويف من يراهم . [ 21 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 21 ] فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 21 ) تكرير لنظيره السابق عقب قصة قوم نوح لأن مقام التهويل والتهديد يقتضي تكرير ما يفيدهما . و ( كيف ) هنا استفهام على حالة العذاب ، وهي الحالة الموصوفة في قوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً إلى مُنْقَعِرٍ [ القمر : 19 ، 20 ] ، والاستفهام مستعمل في التعجيب . [ 22 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 22 ] وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) تكرير لنظيره السابق في خبر قوم نوح . [ 23 - 25 ] [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 23 إلى 25 ] كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) القول في موقع جملة كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ كالقول في موقع جملة كَذَّبَتْ عادٌ [ القمر : 18 ] . وكذلك القول في إسناد حكم التكذيب إلى ثمود وهو اسم القبيلة معتبر فيه الغالب الكثير . فإن صالحا قد آمن به نفر قليل كما حكاه اللّه عنهم في سورة الأعراف . وثمود : ممنوع من الصرف باعتبار العلمية والتأنيث المعنوي ، أي على تأويل الاسم بالقبيلة . والنذر : جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر ، أي كذبوا بالإنذارات التي أنذرهم اللّه بها على لسان رسوله . وليس النذر هنا بصالح لحمله على جمع النذير بمعنى المنذر لأن فعل التكذيب إذا تعدى إلى الشخص المنسوب إلى الكذب تعدى إلى اسمه بدون حرف قال تعالى : فَكَذَّبُوا رُسُلِي [ سبأ : 45 ] وقال : لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [ الفرقان : 37 ] وقال : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ * [ الحج : 42 ] ، وإذا تعدى إلى الكلام المكذّب تعدى إليه بالباء قال : وَكَذَّبْتُمْ بِهِ * [ الأنعام : 57 ] وقال : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ [ الأنعام : 66 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [ الأعراف : 40 ] وقال : كَذَّبُوا بِآياتِنا [ آل عمران : 11 ] . وهذا بخلاف قوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ في سورة الشعراء [ 141 ] . والمعنى : أنهم كذبوا إنذارات رسولهم ، أي جحدوها ثم كذبوا رسولهم ، فلذلك